المقريزي
254
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ذكر سور القاهرة اعلم أنّ القاهرة مذ أسّست عمل سورها ثلاث مرّات : الأولى وضعه القائد جوهر ، والمرّة الثانية وضعه أمير الجيوش بدر الجمالي في أيّام الخليفة المستنصر ، والمرّة الثالثة بناه الأمير الخصيّ بهاء الدّين قراقوش الأسدي في سلطنة الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أوّل ملوك القاهرة . السّور الأوّل كان من لبن وضعه جوهر القائد على مناخه الذي نزل به هو وعساكره حيث القاهرة الآن ، فأداره على القصر والجامع « 1 » . وذلك أنّه لمّا سار من الجيزة ، بعد زوال الشّمس من يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة بعساكره ، وقصد إلى مناخه الذي رسمه له مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ ، واستقرّت به الدار ، اختطّ القصر ، وأصبح المصريون يهنّئونه فوجدوه قد حفر الأساس في اللّيل ، فأدار السّور اللّبن ، وسمّاها « المنصوريّة » « 2 » ، إلى أن قدم المعزّ لدين اللّه من بلاد المغرب إلى مصر ونزل بها فسمّاها « القاهرة » . ويقال في سبب تسميتها : إنّ القائد جوهرا لمّا أراد بناءها أحضر المنجّمين وعرّفهم أنّه يريد عمارة بلد ظاهر مصر لتقيم بها الجند ، وأمرهم باختيار طالع سعيد لوضع الأساس بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم أبدا . فاختاروا طالعا لوضع الأساس وطالعا لحفر السّور ، وجعلوا بدائر السّور قوائم خشب بين كلّ قائمتين حبل فيه أجراس ، وقالوا للعمّال : « إذا تحرّكت الأجراس فارموا ما بأيديكم من الطّين والحجارة » . فوقفوا ينتظرون الوقت الصّالح لذلك ، فاتّفق أنّ غرابا وقع على حبل من تلك الحبال التي فيها الأجراس فتحرّكت كلّها ، فظنّ العمّال أنّ المنجّمين قد حرّكوها ، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا ، فصاح المنجّمون : « القاهر في الطّالع » ، فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه . ويقال إنّ المرّيخ كان في الطّالع عند ابتداء وضع الأساس -
--> ( 1 ) عن سور القاهرة الأوّل الذي بناه جوهر انظر Fu ' d Sayyid , A . , op . cit , pp . 147 - 62 . ( 2 ) أطلق جوهر على المدينة اسم « المنصورية » تيمنّا باسم « صبرة المنصورية » التي أنشأها الخليفة الفاطمي الثالث المنصور باللّه والد المعزّ لدين اللّه بالقرب من مدينة القيروان . ( راجع ( Fu ' d Sayyid , A . , op . cit . , pp . 103 - 106 .